بقلم: فادي داود
في كل مرة نحاول فيها قراءة المشهد الأردني، نصطدم بذات الحقيقة: دولة صغيرة بموارد محدودة، لكنها مثقلة بجهاز حكومي هو أضخم مما تحتمله إمكاناتها. والأرقام هنا ليست آراء؛ فـ 220 ألف موظف مدني يعملون في دولة لا تتجاوز عشرة ملايين نسمة، مقابل 2.9 مليون في الولايات المتحدة التي يزيد عدد سكانها عن 350 مليوناً. المفارقة صادمة، والواقع أكثر صدمة.
الأمر ذاته يُستنسخ في الأجهزة العسكرية والأمنية؛ 165 ألف فرد مقابل 2.8 مليون في أمريكا. وهذه المقارنة وحدها تكفي لفهم حجم الترهل. ليس لأن الأردن “قوي عسكرياً”، بل لأن التوظيف أصبح بديلاً عن التنمية، والتسيير حلّاً مكان التفكير.
ثلثا العاملين في القطاعين هما اليوم عبء مالي وإداري ينوء به الاقتصاد، فيتحمل المجتمع المنتج فاتورة ثقيلة لا ذنب له فيها.
اقتصاد مُقَيَّد لا يستطيع الجري
إذا أردنا اختصار أزمة الاستثمار والاقتصاد بجملة واحدة فهي:
خفّفوا الضرائب والجمرك عن الصناعة المحلية… ودعوا عجلة الإنتاج تدور.
إن دعم المصانع، تخفيض الكلف، وتسهيل الخدمات، ليس “ترفاً” اقتصادياً بل هو الطريق الوحيد كي:
ننتج أكثر،
نصدّر أكثر،
نستورد أقل،
ندخل عملة صعبة،
ونخلق وظائف حقيقية تقلّص البطالة والترهل في آن واحد.
أما ثروات الأردن المنهوبة، فتكفيها موسوعة من الكتب لتوثيق ما جرى لها من فساد وتغييب ومحسوبيات.
جذر الأزمة… لا يخفى على أحد
الفاسدون ليسوا حالة عابرة، بل شبكة نفوذ تمسك بالمفاصل، وتقصي كل صاحب كفاءة. الشرفاء موجودون، لكنهم غير مرغوبين، لأنهم ببساطة لا ينحنون ولا يساومون.
الإصلاح الحقيقي لا يأتي بنعومة ولا عبر لجان. الإصلاح يحتاج إلى جرأة، وحسم، وقطع دابر الفساد مهما كانت عمق جذوره.
وقد قال جلالة الملك مراراً إن التغيير يأتي من الشعب، لأن النظام – بطبيعة تركيبته العشائرية – لا يستطيع الدخول في مواجهة مع كل العائلات.
لذلك على كل عشيرة أن تبدأ بنفسها: حاسِبوا فاسديكم قبل أن تطالبوا الدولة بمحاسبتهم.
وللأسف، أصبح بعض الفاسدين في مقدمة العشائر، هم المتصدرون في الجاهات والعطوات، بينما يُدفع الشرفاء إلى المقاعد الخلفية.
الأردني… ابن عشيرته وابن دولته
أنا، كأردني من أصل فلسطيني، لم أقل يوماً إن العشائر الأردنية لا تمثلني.
بل نحن الذين اخترنا البقاء في الأردن حين كانت كل أبواب العالم مفتوحة، فعلنا ذلك لأننا نعرف قدر هذا الشعب الكريم، طيبةً وأصالةً ونسباً.
لكن الانتماء لا يعني القبول بتصدر الفاسدين المشهد، ولا بتحويل العشائر من قيم، إلى وسيلة نفوذ بيد من لا يمثلونها.
لسنا بلا حلول، ولسنا بلا رجال.
لكننا بحاجة إلى إرادة تكسر عنق الزجاجة، لنعبر إلى القادم الأجمل…
وهو قادم، فقط حين نقرر نحن ذلك.
نسخ رابط الخبر: https://almoather.news/?p=61746

