مرح غيث
لم تكن منصّات التواصل الاجتماعي خطرًا في ذاتها، بل كانت المرآة التي كشفت خواءنا. وحين غاب أهل العلم عن ساحة التوجيه، اندفع مشاهير الصدفة إلى الواجهة، فملؤوا الفراغ بضجيجٍ يلمع كثيرًا… لكنه لا يهدي ولا ينير. تركنا المجتمع يمضي بلا بوصلة، ثم دهشنا حين رأيناه ينجرف خلف كل موجة، ويُصعّد كل تافهٍ إلى مرتبة القدوة والنموذج.
لقد ارتكبنا خطأً فادحًا حين حوّل الأكاديمي قاعات الدرس إلى عالمه الوحيد، وترك الساحة العامة لمن يقيس قيمته بعدد المتابعين لا بوزن الفكرة، وبحجم المشاهدات لا بجودة الرسالة. وحين فقدت الجامعة دورها في تشكيل العقل الجمعي وبناء الفكر النقدي، وجد الناس أنفسهم يبحثون عن بديل… فصعدت الأصوات الزائفة لأن الصوت الحقيقي اختار الصمت.
صار شباب اليوم يتلقّون تصوّراتهم عن الحياة والمعنى والنجاح من مقاطع لا تتجاوز ثوانٍ، يقدمها من لم يختبر العلم منهجًا ولا حمل المسؤولية رسالة. أصبح معيار التأثير هو “الترند”، ومعيار القيمة هو الانتشار، لا عمق الفكرة ولا صدق المحتوى. وبصمتنا نحن، وبانسحاب مؤسساتنا، ساهمنا في تفريغ المجتمع من وعيه وفتحنا الباب واسعًا أمام التسطيح.
الجامعة ليست جدرانًا وقاعات وشهادات؛ إنها عقل المجتمع وضميره. وظيفتها أن تُنتِج معرفةً حقيقية، وأن تحوّل هذه المعرفة إلى وعيٍ عام يُحصّن الناس من الانسياق وراء كل صخب. لكنّ كثيرًا من جامعاتنا انشغلت بالاعتمادات والأوراق، وتراجعت فيها جذوة الحوار الحرّ والفكر النقدي، فانفصلت الأكاديمية عن الحياة اليومية للناس… فانكسرت الحلقة التي تحفظ المجتمع من العبث.
وحين ابتعد العلم، تقدّم البديل الأسهل: محتوى سريع، أفكار باهتة، تحديات عبثية، ونماذج نجاح مختلقة لا تقوم على إنجازٍ بل على استعراض. تراجع حضور الأستاذ الجامعي كقدوة، وصعد مكانه من يملأ الشاشة يوميًا بلغة بسيطة لكنها فارغة، وبحضورٍ مستمر لكنه بلا معنى.
لا يمكن أن نُلقي اللوم على المشاهير وحدهم؛ فالمشكلة في غياب مشروعٍ وطني لصناعة الوعي، مشروع يشارك فيه الأكاديميّ والكاتب والمعلم والعالم والإعلامي. مجتمع بلا وعي… مجتمع يقوده أول من يرفع صوته، لا أول من يملك فكرًا.
استعادة دور الأكاديمي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. هذا الدور لا يُؤدَّى بمحاضرةٍ مغلقة، بل بحضورٍ فاعلٍ في فضاء الناس: مقالات، محتوى معرفي راقٍ، خطابٌ يصل إلى الجمهور دون ابتذال، ويظلّ عميقًا دون تعقيد. على الأكاديمي أن ينزل من برج المصطلحات إلى ساحة الواقع، دون أن يتنازل عن جوهر العلم.
كما يجب أن تعيد الجامعات تعريف رسالتها: ليس إنتاج حملة شهادات، بل صناعة إنسانٍ واعٍ يملك أدوات النقد، ويميز بين المؤثر الحقيقي وصاحب الضجيج. وهذا يقتضي إدماج مهارات التفكير النقدي، وأخلاقيات الاستخدام الرقمي، وفهم الإعلام الجديد في صلب العملية التعليمية.
وفي المقابل، نحن بحاجة إلى إعلامٍ مسؤول، يفتح أبوابه لأصحاب الفكر الرصين، لا للأكثر صخبًا. فالإعلام الذي يطارد الإثارة يساهم، شاء أم أبى، في تكريس الوعي الهشّ الذي نشتكي منه.
لسنا ضد الترفيه، ولا ضد المنصّات الرقمية؛ بل نحن مع أن يُمسكها أهل العلم بوعيٍ ورصانة، فيحوّلوها إلى أدوات تنوير. الخطر الحقيقي حين يصبح الترفيه مرجعًا للقيم، والمنصة مدرسةً بلا ضابط ولا معيار.
إن أردنا تصحيح المسار، فعلينا أن نعود إلى الساحة: الجامعة، الأكاديمي، الإعلامي، المثقف… الجميع. لأن العلم إن لم يتحوّل إلى وعيٍ عام، فإن غيره سيتحوّل إلى وعيٍ زائف يقود المجتمع إلى المجهول.
نسخ رابط الخبر: https://almoather.news/?p=61784

