المحجّبات والإعلام… حين يُقصى الصوت لأن الرأس مغطّى
بقلم مَرَح غَيثَ
في زمنٍ يُفترض أن تكون فيه الكفاءة هي المعيار الوحيد، ما زالت بعض الشاشات العربية، بل حتى الوطنية منها، تُمارس تمييزاً صامتاً ضد النساء المحجّبات، وكأن الحجاب خطأ مهني أو حاجز بصري يمنع التألق على الشاشة.
القصة التي أثارت الجدل مؤخرًا في الأردن ليست حالة فردية، بل نموذج مؤلم لما تعانيه كثير من الكفاءات النسائية المحجبة في الإعلام الرسمي. إعلامية أردنية درست الإعلام في جامعة اليرموك، بدأت مسيرتها عام 2010، وتنقّلت بين قنوات عربية عدّة — عراقية، يمنية، سعودية، وليبية — وقدّمت نشرات وأعمالًا احترافية بشهادة الجميع. ومع ذلك، عندما عادت إلى وطنها وقدّمت أوراقها للتلفزيون الأردني وقناة المملكة، كانت الأبواب مغلقة، والردّ صامتًا، والاختيار دائمًا يميل نحو “الوجه” لا “الفكر”.
في إحدى محاولاتها، وصلت إلى المرحلة الأخيرة في مقابلة قناة المملكة بعد اجتيازها ثلاثة اختبارات مهنية، حتى استلمت فجأة رسالة إلكترونية باردة تُعلن رفضها دون سبب. منذ تلك اللحظة، سكنت في داخلها الشكوك المؤلمة:
هل السبب هو حجابي؟
سؤال بسيط… لكنه يختصر أزمة مجتمع بأكمله.
كيف يمكن لدولة تفتخر بهويتها العربية والإسلامية أن تسمح بتحوّل إعلامها الرسمي إلى مرآة تجميل لا تُشبه أبناءها؟
كيف تتحول شاشات الوطن إلى منصات استعراض بدل أن تكون منابر فكر ومصداقية؟
الحجاب، الذي يُفترض أن يكون خيارًا شخصيًا نابعًا من القناعة والكرامة، صار عند بعض المؤسسات الإعلامية معيار إقصاء. يتم استبدال الكفاءات بالمظاهر، وتُغلق الأبواب أمام من يملكن الخبرة فقط لأنهن اخترن الاحتشام.
والأدهى من ذلك أن كثيرًا من هذه التعيينات تتم في الظلّ: بلا إعلانات، بلا مقابلات نزيهة، بلا لجان شفافة، وكأننا أمام مشهد يُدار خلف الكواليس لا أمام شاشة وطنية.
في مفارقة تُثير الدهشة، الإعلامية ذاتها التي رُفضت في وطنها لأنها محجّبة، قُبلت فوراً في قناة عراقية لا توظّف المحجبات عادة. لم ينظروا إلى غطاء رأسها، بل إلى أدائها، حضورها، لغتها، وتمكّنها أمام الكاميرا.
الأداء فرض نفسه، فاحترموا مهارتها.
بينما في وطنها، أُغلقت الأبواب لأن الصورة أهم من الصوت.
ما يحدث اليوم ليس مجرد غياب فرص، بل إقصاء مقنّع. يُطلب من المذيعة أن تكون “لامعة”، أن تمتلك “إطلالة” تليق بالشاشة، وكأننا في مسابقة جمال لا في مؤسسة إعلام.
في المقابل، تُقصى النساء المحجبات، حتى وإن امتلكن تاريخًا إعلاميًا أطول من أعمار بعض الوجوه الجديدة التي تظهر اليوم على الشاشة الرسمية.
الإعلام الأردني، الذي كان يومًا واجهة للرصانة والمصداقية، صار اليوم في نظر كثير من المتابعين “مرآة لمراكز التجميل”، لا “شاشة وطن”.
الهوية أولاً…
الإعلام ليس مرآة لوجه جميل، بل مرآة لهوية وطنية. وإذا كانت الشاشة تُقصي نصف المجتمع بسبب قطعة قماش، فهي تفقد شرعيتها كممثل للشعب كله.
المحجبة ليست أقل قدرة، بل غالبًا أكثر حضورًا، لأنها تعرف أن رسالتها لا تُختزل في مظهرها.
إنها صوت، وفكر، ورسالة، ووجود حقيقي يضيف للوسط الإعلامي اتزانًا واحترامًا.
مستقبل المحجبات في الإعلام العربي يعتمد على مدى شجاعة المؤسسات في كسر الصورة النمطية.
المطلوب اليوم ليس “تمكينًا شكليًا” يُزين الشعارات، بل تغييرًا حقيقيًا في الفكر والممارسة.
نريد شاشة تُشبهنا جميعًا: المحجبة وغير المحجبة، البدوية والمدنية، المرأة والرجل، فالإعلام الوطني ليس انعكاسًا لمعايير الجمال، بل لنبض الناس.
لقد حان الوقت أن نُعيد الاعتبار للمضمون على حساب المظهر، للكفاءة على حساب التجميل، وللصوت الذي يحمل همّ الوطن على حساب الإطلالة التي تثير الإعجاب المؤقت.
في النهاية،
ليست قضية تلك الإعلامية الأردنية إلا صرخة من قلب مهنة تُختطف ببطء.
صرخة تقول:
> “أنا لا أبحث عن فرصة لأنني محجبة، بل لأنني كفؤة…
فلا تجعلوا من حجابي جدارًا بيني وبين وطني.”
نسخ رابط الخبر: https://almoather.news/?p=61426

