د.ثروت المعاقبة
في اللحظة التي قال فيها سموّ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني _ ولي العهد إن توثيق السردية الأردنية يهمّه شخصيًا ومهمّ لأجيال المستقبل، لم يكن يقل عبارة عابرة بل كان يضع أمام الأردنيين مسؤولية وطنية عميقة مسؤولية كتابة حكايتنا نحن، بلساننا نحن، كما عشناها، وكما قدّمنا ثمنها من تعب ودم ووفاء، فالسردية الأردنية ليست رواية مؤلفة على الورق؛ إنها الذاكرة الجمعية لوطن وقيادة وشعب، وإن ضاعت الذاكرة ضاع المعنى، وإن ضاع المعنى تصدّعت الهوية.
السردية الأردنية ليست مجرد صفحات من الماضي، بل هي سجلّ متصل من قيم، ورموز، ومواقف، وصمود متوارث جيلاً بعد جيل، وهي سردية نشأت مع بدايات الدولة الأردنية التي وُلدت في لحظة تاريخية استثنائية، وسط عالم مضطرب وبيئة سياسية معقدة، لكنها رغم ذلك استطاعت أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا، وأن تبني نموذجًا عربيًا فريدًا قائمًا على الاعتدال، والشرعية، والالتزام الصادق بقضايا الأمة.
كما تعد قصة القيادة الهاشمية التي لم تكن يومًا قيادة حكم فقط، بل قيادة مشروع وقيم، حملت العدالة، وحمت التوازن، وقادت الدولة في ظروف لم تكن سهلة يومًا. قيادة تثبّتت جذورها في الأرض وفي الوجدان، لأنها خرجت من رحم النسب الشريف، واستمدّت احترامها من عملها وصدقها، لا من الشعارات.
وهذه السردية قصة الشعب الأردني الذي بنى بيد، ودافع بالأخرى، وحوّل التحديات إلى فرص، ووقف ثابتًا أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية والإقليمية، دون أن يفقد صبره أو بوصلته أو انتماءه.
لا يمكن الحديث عن السردية الأردنية دون الوقوف طويلًا أمام الجيش العربي، جيش المبادئ قبل السلاح، وهو الجيش الذي لم يقاتل يومًا طمعًا أو توسعًا، بل دفاعًا عن أرض وكرامة وحق.
هو الجيش الذي صنع ملحمة الكرامة؛ تلك اللحظة التي لم تكن مجرّد معركة، بل كانت إعادة صياغة لروح الأمة كلها، حين أثبت الأردن أنّ الهزيمة ليست قدرًا، وأن الإرادة حين تكون صادقة تُغيّر مجرى التاريخ.
السردية الأردنية هي وحدة اجتماعية نادرة، كقصة البدو الذين حفظوا الشرف وصانوا الدرب، والفلاحين الذين زرعوا الأرض وصنعوا الاستقرار، والحضر الذين بنوا المؤسسات واحتضنوا النهضة.
لم تكن هذه المكونات يوماً طوائف متفرقة أو فئات متصارعة، بل كانت نسيجًا متداخلاً، تتكامل أدواره وتتشابك جذوره ليشكّل هوية واحدة متماسكة اسمها الأردن، فالأردن لم يكن يومًا دولة منعزلة أو منغلقة، بل كان أخًا وفيًا لأمته دافع عن فلسطين، وما زال يدافع عنها قولًا وفعلاً، وتحمل أعباء موجات لجوء متعاقبة، فتح أبوابه للمظلومين، وشارك في حماية الأمن العربي دون أن يزاود أو يتاجر أو يبتز.
وفي كل ذلك، لم يتخلّ الأردن يومًا عن ثوابته، ولم يسمح للمصالح الضيقة أو الضغوط الخارجية أن تهزّ مواقفه أو أن تشكل هويته عن بُعد.
ما قاله سموّ ولي العهد ليس توصية، بل جرس إنذار حضاري، فالعالم اليوم يعيش صراع سرديات: من يكتب الرواية يمتلك القدرة على تشكيل الوعي، ومن يشكل الوعي يحدد الاتجاه، وفي زمن تتكاثر فيه حملات التضليل والتشويه، يصبح ترك روايتنا لغيرنا خطرًا على الهوية، وعلى العقل، وعلى الاجيال القادمة.
إن توثيق السردية الأردنية اليوم هو واجب وطني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنه يشكّل خط الدفاع الأول على وعينا الجمعي ويحمي تاريخنا من التزوير والتشويه، ويحصّن شبابنا من حملات التشكيك والعبث التي تستهدف زعزعة ثقتهم بوطنهم ومؤسساته، وهو أيضًا مسؤولية تجاه الأجيال القادمة، لنقدّم لهم ذاكرة وطنية نقية وواضحة وموثقة، يعرفون من خلالها كيف تأسس هذا الوطن وكيف صمد ونهض. إن تدوين سرديتنا يعزز الثقة بالذات الوطنية ويعمّق الانتماء الواعي القائم على الفهم لا على العاطفة العابرة، ويؤكد أن الأردن لم يكن يومًا دولة صدفة، بل مشروعًا متجذرًا له رؤية ورسالة ومسيرة مستمرة تستحق أن تُحفظ وأن تُروى كما هي.
السردية الأردنية ليست ملكًا لمؤسسة بعينها ولا تُكتب داخل غرف رسمية فحسب، بل هي مشروع وطني شامل يتشارك فيه الجميع كلٌ من موقعه ودوره. فالمؤرخ يوثّق الحقائق، والأكاديمي يقرأ ويتحقق، والإعلامي ينقلها بصدق ومسؤولية، والمثقف يصيغها بوعي وبصيرة، والشاب يحميها باعتزازه وهويته وانتمائه، والمواطن يدافع عنها كما يدافع عن بيته وكرامته. إنها رواية دولة كاملة، تُبنى بتكامل الأدوار ووحدة الجهود، لأنها حكاية وطن لا يمكن أن يكتبها إلا أبناؤه، وإن لم نكتبها نحن، سيكتبها غيرنا، وحينها ستُروى بلسان لا يشبهنا، وبمنطق لا يعرف تفاصيلنا، وبزاوية قد تُهين تاريخًا نعرف قيمته.
السردية الأردنية ليست مجرد تاريخ عابر، بل هوية وطنية كاملة الأركان.
هي حكاية دولة وقيادة وشعب لم يخذلوا بعضهم يومًا.
هي حكاية صمود في وجه المحن، ووفاء في زمن التقلّبات، وبناء هادئ متواصل رغم العواصف.
هي رواية تستحق أن تُكتب بحبر الحقيقة، وأن تُحفظ كما هي: بلا تزوير، بلا تشويه، وبلا استعارة أصوات من الخارج.
لأنّ الأردن لا يرويه إلا أبناؤه …
ولأنّ حكايتنا لا يجوز أن تُحكى إلا بصوتنا…
ولأنّ هذا الوطن يستحق أن يعرف العالم قصته كما هي: صادقة، شامخة، نقيّة في أبهى صورها.
نسخ رابط الخبر: https://almoather.news/?p=61661

