حسين الذكر
مع اني عشت في بيت كثير الاولاد والبنين الا ان ذكرياتي الطفولية شحيحة مع اختي الراحلة ( ام وسام وحيدر ).. ففي بيوت الفقراء المكتظة بالاولاد تكون العلاقة والذكريات مع القريبين في المرحلة العمرية التي تجمع كل جيل مع آخر بادواته ومستلزماته بل واخلاقياته فالحياة تسير بوتيرة التطور وكل تقنية احدث تفرض قيم اخلاقية احدث .
لم تكن اختي تجيد القراءة والكتابة ولم يهيأ لها القدر دخول المدرسة لذا ولدت وعاشت وماتت أمية بكل معنى الكلمة حتى بعد دخولها معترك الحياة من اتعس ابوابه الا انها ظلت تتسم بالبساطة حد السذاجة.
كنت عائدا من جبهات القتال ايام حرب الثمانينات وكانت ( ام وسام ) قد تزوجت وانجبت وقد فوجئت بانها تقف على بسطة للارتزاق بعد ان اخذ زوجها المرحوم ( داخل ) الى جبهات القتال ايضا ..
ظلت ام وسام تتنقل بالعمل وتجتهد على سليقتها لتربي اطفالها السبعة وتدفع ايجار بيتها .. حتى اطيح بها على الفراش مريضة فجاؤوا بها لبيتنا مع اطفالها يبكون حولها وهي لا تقوى على الكلام وقد التفت حولها نساء منطقتنا واخواتها يبكون وقرروا نقلها الى المشفى لخطورة الوضع .. وقد دخل ابي رحمه الله وكان عائدا من المسجد يتكا على عصاه و سال عن الجمهرة وسمع شيء عن المشفى فاخذ يضرب امي رحمها الله وبقية النسوة بالعصى قائلا : ( ويحكم ! هل الطبيب اعرف بها وارق على اولادها من الله ؟ ) .. وحدثت حينها ما يشبه المعجزة اذ طلبت الماء والاكل في دلالة صحو عجيبة .
شمرت عن ساعديها ومضت تحمل الاعباء بعد ان دخل اولادها المدرسة ولم تهدا يوما واحدا في عقودها السبعة اذ لم ارها الا في العمل او مع عيالها مشتبكة صائحة لاطمة بفواجع الايام .
كانت لي معها جفوة جراء مضادات فهم الواقع ذا لم تكن علاقتي بها ملتصقة الا انها ظلت ( اختي ) ما يصيبنا ويصيبها مشترك حد الاحساس .. وقد زارت ابني انصار حينما رقد في مشفاه الاخير وهي تبكي مريرا .
اعلموني رقودها بالمشفى مؤخرا فاضطررت لزيارتها هناك برغم كوني لا اطيق المكان الذي التهم امي وابي واختي واخيرا فلذة كبدي ولدي واعز خلق الله على روحي .. حتى وصلتها وكنت معبأ بالاف الحكايا التي نهشت ذاكرتي حزنا لا احتمل اضافة المأً اليه .. نظرت اليها مغميا عليها وتخترق جسدها الانابيب والضمادات فبكيت وبقيت ابكي وهي تنظر بعينها ولا تحرك ساكنا .. حتى غادرت المشفى دون ان اتكلم .. ولم اكلم احد بكلمة ما .
ظل اهلي وابنائي واقاربنا يزورها في المشفى اكثر من اسبوعين ثم امر الطبيب باخرجها الى بيتها يائسا .. فذهبت لزيارتها في بيتها المستأجر برغم سبعين عام من الكدح وفي منطقة ما زالت تعيش المعاناة في عز ميزانيتنا المليارية والترليونية .
وجدتها فتحت عينيها وصحت قليلا واخذت تنطق وتحدث من يحاكيها وقد حدثت نفسي انها ( صحوت موت ) كما نسميها شعبيا .. ثم تطرقنا لبعض مواقفها الساذجة والطيبة غير المنتهية .. قبل الخروج وقفت امامها ووضعت شفتي على وجنتيها المتعبة بعد ان ظلت الدموع ترتسم على محياها اكثر من سعبين عام .. فقلت لها : ( انت مجاهدة واديتي رسالتك ) فقالت بوعيها الكامل : ( وما زلت في بيت مستاجر ) .. فأختقنتُ بعبرتي وقلت : ( محللة موهوبة وبريئة الذمة ) اي برات ذمتها عن كل ما بيننا .. ففهمتها على انها راحلة لا محالة وفهم الاخرون ذات المغزى فساد صمت ودمع كظيم .. لحقه صياح ونياح ووداع ابدي!
نسخ رابط الخبر: https://almoather.news/?p=61941

